• أكتوبر 19, 2019

السكافة والتنجيد والتجبير العربي وتصليح الساعات صارت “مهن فقر” تسير بسرعة نحو الانقراض

جاكلين جابر

مهن بسيطة، تقليدية، ساهمت في إعالة عائلات وتعليم شبان كانت لهم اليد الطولى في إدخال التقنيات الحديثة والآلات المتطوّرة على مهن آباءهم وأجدادهم، فباتت هذه المهن من التراث، وها هي اليوم تسير نحو الانقراض، إما بسبب افتقاد العاملين فيها، وإما بسبب التطور الذي يدرّ أموالاً أكثر على ممتهنيها من أولئك الذين يعتمدون العمل اليدوي.
ولكن على رغم كل هذا التطور، ترانا لا نزال حتى اليوم نجد بعضاً من الناس يتمسّك بالأصول والأساليب القديمة متحدّياً بها التطور، بأدوات بدائية ومهارة عالية تثبت وجود هذه الحرف في السوق نعرض بعضاً منها من باب التذكير بماضٍ لطالما أحببناه.

السكّاف… مهنة الفقر دون منازع

من داخل محله المتواضع القابع في منطقة الدورة، يعرّف السكّاف جان ملكون خرّوم عن مهنته بأنها “مهنة الفقر”. فوسط الرفوف المحملة بمختلف أنواع الجلود القديمة والصحف القديمة، يجلس أبو ملكون والى جانبه مذياع يعود الى أكثر من ستين عاماً، وخلفه صورة والده “البركة” كما يحلو له القول. يحدثنا عن مهنته التي ورثها عن والده بعدما كان يساعده منذ صغره على إصلاح الأحذية الممزقة وذات الكعوب المهترئة، مخففاً عن أصحابها عبء شراء حذاء جديد.
فعلى رغم الفقر المدقع الذي يعانيه من يمارس هذه المهنة، فإنه يعتبر من الأغنياء بنفسه الكبيرة وكبريائه الذي لا يكسر، ففي ممارسة هذه المهنة “لا وجود لليرات، لأن القروش هي اللغة المعتمدة في التداول”.
يقول إنه تلقى علومه حتى صف البكالوريا، فهو يتقن 7 لغات، عمل سابقاً معلم صناعة جبّالات، ولما ضاقت سوق العمل، عاد الى مصلحته الأم “السكاف” ليعيل عائلته بدلاً من مد اليد للناس، وهكذا عمل ولا يزال في هذا المحل لأكثر من 35 سنة.
وعمّن يقصده، يضيف: “يزورني الأغنياء كما الفقراء، فزبائني من كل لبنان، الجميع يعرفونني ويحبون التعامل معي، وإن لم يتوافر لدى أحد زبائني المال الكافي، أصلح له حذاءه من دون مقابل وكلي ثقة بأن الله سيعوضني المال”.
وعن العاملين في هذا الحقل، يوضح أنهم “باتوا قلّة، فهذه المهنة ستنقرض قريباً، صحيح أنها لا تدرّ المال الكافي لكنها تسدّ عوزاً، ولولا عملنا لكانت غالبية الناس تسير حفاة. إن هذه المهنة تتوارث من جيل لآخر، وحتى الأبناء الذين تربوا منها،  لم يمارسها منهم سوى قلّة إما بسبب العلم وإما بسبب الطموح ومواكبة التطور.
لقد ربّيت أولادي من هذه المهنة وهم يفتخرون بي وبعملي، فالشرفاء لا يخجلون من الفقر إنما يتحدّونه بالعزم والقوة والارادة.

المجبّر العربي، جبر… خواطر فقط

الحاجة سهيلة سبعينية تقطن في منزل صغير مع ولدها الوحيد، ترفض تصويرها بشدة، فهي تقوم بعملها من دون دعاية وليست في حاجة إليها، تقول مازحة: “لا أحب الشهرة، أريد فقط أن أعيش بسلام”.
تخبرنا الحاجة سهيلة كيف امتهنت مهنة التجبير، حيث تقول: “كان والدي مجبّراً عربياً محترفاً، يقصده الكبار والصغار وكل أبناء البلدة، وكنت أجلس بقربه أراقبه وأحضر له الصابون البلدي لفرك المنطقة المصابة، والملح الخشن لنقعها، ومن ثم كنت أراقبه كيف يجبّر بالقطع الكرتونية والشاش. وبقيت أراقبه حتى أصبحت شابة يافعة، ولما مرض طلب مني أن أقوم بعمله لمساعدة الناس، وكنت ألبّي طلبه بكل طيبة خاطر لكن دائماً تحت رعايته ونظراته.
بدأت العمل من دون مقابل، لكن عندما تزوجت وبات عندي طفل يحتاج المال لينمو ويكبر، اضطررت الى أن أتقاضى مبلغاً يجعلني اعتاش منه وخصوصاً أنني أرملة ولا سند لي غير عملي، ولا أزال حتى اليوم أعمل في التجبير.
وعن مهنتها اليوم تقول إنها باتت على شفير الانقراض بسبب التصوير الشعاعي والأدوية والجراحات، الطب تطور والناس تؤمن به أكثر من عملنا، لذا تراهم يهرعون الى المستشفيات ولا يبقى لنا سوى العدد القليل الذي يعاني أزمة مالية ولا قدرة لديه على تلقي العلاج في المستشفيات، فيزورني ولن يعود خائباً إطلاقاً.
“اليوم أنا أعالج الرضوض والأيدي والأرجل المشعورة التي لا تتطلب دخول مستشفى”، تقول الحاجة سهيلة التي تؤكد قدرتها على معالجة هبوط الرفش في الكتف عن طريق نصب عصاة حديد للمصاب تغرزها في جوانب الباب من أعلى، فيتعلق بها وثم تضع له دواء خاصاً لتمزق العضلات. أما في حال الشُعر (الأيدي أو الأرجل)، فإنها تضع قطة كرتونية وتربطها بشاش تضع داخله قطع ثلج ثم تلفّها برباط خاص.
إن معظم من يزور الحاجة سهيلة، هم من الطبقة الفقيرة التي لا تسمح لها ظروفها المادية بالمعالجة لدى الأطباء أو في أحد المستشفيات.
أما عن الأجر الذي تتقاضاه، فتؤكد “أن أجري زهيد جداً لكنه يكفيني لأقتات منه، لا لن أسمح لإبني أن يمتهن التجبير، لأني لا أريده أن يموت من الجوع، لكن أودّ أن يتعلم المهنة فهي تساعده في تربية أولاده”.

المنجّد العربي… ومعاناة السوق

سامر رضا من الجنوب اللبناني منجّد عربي معروف في منطقته حيث يمارس مهنته المتوارثة عن والده منذ سنوات طوال، فمن ذاك المحل الصغير في منطقة سن الفيل أعال الوالد العائلة أربعين عاماً، تاركاً للإبن مهمة تربية أولاده هو الآخر من هذه المهنة الشريفة. “هذه المهنة قديمة جداً،  وهي اليوم على شفير الانقراض، حيث لا نجد في المنطقة إلا منجداً عربياً واحداً – إذا وجد – بعد أن غزت المراتب واللحف والوسادات الجاهزة كل البيوت، ولم يعد هذا الجيل يهتم على ماذا ينام إنما همه أن يرتاح من عناء حمل “الفرشات واللحف وتفتيقها وتنشيف قطنها أو صوفها…”. هكذا بدأ رضا حديثه ليتابع شارحاً سبل التعامل مع هذه المهنة، بقوله: “إن مهنة التنجيد هي عبارة عن صناعة تتمثل بتنجيد الفرش واللحف والوسادات الصوفية والقطنية. ففي حال أراد الزبون شراءها جديدة، ففي إمكانه شراء القطن أو الصوف النظيف من عندنا، وحتى القماش، ونحن نقوم بما يلزم. أما أن أحضر فرشاته لتنجيدها، فيجب أن يغسل الصوف أو القطن أولاً وينشف، وبعدها نعمل على تنظيف القطن أو الصوف من الأوساخ على آلة كهربائية حديثة الصنع (وقد كانت هذه العملية تجري في السابق على يد المنجد)، ثم نعمد الى “التنفيش” أي تنعيم الصوف أو القطن عبر الضرب بقضيب من الخيزران حتى يصبح ناعماً، ومن ثم يوضع الصوف أو القطن في القماش المفصّل والمحاك مسبقاً لنخيطه بالإبرة والخيط على الطريقة المعروفة ليصبح جاهزاً للتسليم.
وعن أهمية هذا النوع من الفرشات واللحف، يضيف: “إن النوم على القطن أو الصوف صحّي ومريح جداً، وأنا أنصح كل مريض يعاني الديسك أو التكلس أو العمل المرهق أن ينام على فرشة منجّدة لأنها صحّية”.
أما عن زبائن هذا النوع من الفرش، فيؤكد أن “غالبيتهم من الطبقة المتوسطة المائلة الى الفقيرة، فهم لا قدرة لهم على مواكبة أسعار السوق، وأولئك الذين يهتمّون بصحّتهم ويتبعون تقاليد أجدادهم”.
وخاطب  ربات البيوت قائلاً: “حصتهنّ الكبرى عندنا، إذ إن الموظفات لا وقت لديهن لهذا العمل الشاق والمضني، فلِمَ التعب وكل شيء بات جاهزاً؟”
ونتركه ليتابع نفش القطن الذي كان بدأه لحظة دخولنا محله.

تصليح ساعات… توقف الرزق مع توقفها

هناك، في ذاك المحل الصغير، تتربع ساعات للبيع وأخرى للتصليح، فزبائن المعلم ستراك لا يزالون يقصدونه وقت الحاجة، فهو يعمل في هذه المهنة منذ أكثر من 45 سنة، يوم ترك العمل عند الناس ليؤسس عملاً خاصاً به.
“افتتحت محلي عام 1975 ووضعت فيه كل خبرتي السابقة، ربيت أولادي وعلّمتهم هذه المهنة، أما اليوم فبالكاد تكفيني أنا وزوجتي. الحمد لله أولادي كبروا ويتّكلون على أنفسهم، وما أرزق به بالكاد يعيلني.
أنا أعلم تماماً أن العاملين في هذا الحقل لا يتعدّون 5% فقط وهم على تراجع مستمر، وهم جميعاً من الجيل القديم، أما الأبناء فلا قدرة لديهم على تحمل مثل هذه الأعباء وهذا الصبر، فهم يفتشون عما يؤمن لهم رغد الحياة وهذا حق طبيعي لهم”.

وعن  تراجع العمل في هذه المهنة، يعزو السبب الى “الساعات الرخيصة الموجودة بكثرة في السوق، فقد بات بإمكان كل الناس شراء أكثر من ساعة، وكلما توقفت واحدة ترمى ويستعاض عنها بأخرى. أما من يقتني ساعات ثمينة، فهم قلة ويفضلون التصليح في الشركة على المحل الخاص لاعتقادهم أن هناك العمل يكون أفضل، لكنهم مخطئون لأن العمل هو نفسه، والفرق يكون في البدل الذي تحصل عليه الشركة والبدل المتدني الذي أحصل عليه، وبالتالي كل رخيص بيخوّف”.
أضاف: “2% فقط يشترون ساعات ثمينة، أما الباقون فيفضلون الرخيصة منها ذات الألوان والأشكال المختلفة، ومن هؤلاء – أي الأثرياء – لديّ زبائني الذين يرتاحون الى العمل معي، ويؤمنون بقدراتي على إصلاح ما تعطل، ولكن الساعة لن تتوقف كل يوم”.
وهل تعلم ابنه هذه المصلحة وعمل فيها؟ يجيب: “لقد ربيته من هذا المحل وعلمته وأوصلته الى ما هو عليه، كنت أتمنى أن يتعلم هذه المصلحة، لكني لا أرغب إطلاقاً في أن تكون مهنته الخاصة، إنها مهنة الفقر وها هي تنقرض يوماً بعد يوم، أيعقل أن يمتهن ما لا قدرة له على الاستمرار فيه؟”
وقبل أن نودعه، لفتتنا ساعة تعود الى أكثر من 150 سنة ولما سألناه عنها أجاب: “كثيرة هي الساعات الأثرية، لكن أصحابها يفضلون التعامل مع الشركات. أما صاحب هذه الساعة فهو من معارفي القدماء ويعرف كيف أعمل، لذا لم يختلط عليه الأمر”.
وختم قائلاً: “في السابق كنت أصلح أكثر من 200 قطعة يومياً من الساعات الثمينة والمتوسطة، أما اليوم فبالكاد أصلح ساعة أو اثنتين، واتّكل على ما أبيعه من ساعات عصرية رخيصة.

Read Previous

مستشفى بيروت مجدداً في الإنعاش

Read Next

“لقاء الحوار الإسلامي” بارك كلّ مسعى توافقي سنّي – سنّي مخزومي التقى الراعي والمفتي وباسيل والمشنوق

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *